 " حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء تنطحها "  
. و إسناده صحيح أيضا على شرط مسلم . و له طريق أخرى , فقال ابن لهيعة : عن  
دراج أبي السمح عن أي حجيرة عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ : " ألا و الذي نفسي بيده  
ليختصمن كل شيء يوم القيامة , حتى الشاتان فيما انتطحتا " . أخرجه أحمد ( 2 /  
290 ) بإسناد قال المنذري : " حسن " . 
قلت : و لعله يعني لغيره , فإن ابن لهيعة سيء الحفظ و كذلك دراج أبو السمح . 
و رواه الطبراني في " الأوسط " بنحوه , قال الهيثمي : " و فيه جابر بن يزيد  
الجعفي , و هو ضعيف " . و أخرجه عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي  
حاتم و البيهقي في " البعث " عن أبي هريرة أيضا قال : " يحشر الخلائق كلهم يوم  
القيامة و البهائم و الدواب و الطير و كل شيء , فيبلغ من عدل الله أن يأخذ  
للجماء من القرناء , ثم يقول : كوني ترابا فذلك حين يقول الكافر : *( يا ليتني  
كنت ترابا )* " : أورده السيوطي في " الدر المنثور " ( 6 / 310 ) و لم يتكلم  
على إسناده كما هي عادته و هو عند ابن جرير ( 30 / 17 ) قوي كما سبق قريبا 
و موضع الشاهد منه صحيح قطعا عنه مرفوعا للطرق السابقة , و لشواهده الآتية : 
الأول : عن أبي سعيد الخدري مرفوعا مثل حديث أبي هريرة من الطريق الأخرى .  
أخرجه أحمد أيضا ( 3 / 29 ) عن ابن لهيعة أيضا حدثنا دراج عن أبي الهيثم عنه .
و قد عرفت حال ابن لهيعة و شيخه آنفا . 
الثاني : عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا , و شاتان  
تقترنان , فنطحت إحدهما الأخرى فأجهضتها , قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه  
وسلم فقيل له : ما يضحكك يا رسول الله ! قال : " عجبت لها , و الذي نفسي بيده  
ليقادن لها يوم القيامة " . أخرجه أحمد ( 5 / 173 ) عن ليث عن عبد الرحمن بن  
ثروان عن الهزيل بن شرحبيل عنه . و هذا إسناد جيد في الشواهد و المتابعات ,  
رجاله ثقات رجال " الصحيح " غير ليث و هو ابن أبي سليم , ضعيف لاختلاطه و لكنه  
قد توبع , فرواه منذر الثوري عن أشياخ له ( و في رواية لهم ) عن أبي ذر مختصرا  
و فيه : " يا أبا ذر ! هل تدري فيم تنطحان ? قال : لا , قال : لكن الله يدري ,  
و سيقضي بينهما " . أخرجه أحمد أيضا ( 5 / 162 ) . 
قلت : و هذا إسناد صحيح عندي , فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الأشياخ  
الذين لم يسموا و هم جمع من التابعين , يغتفر الجهل بحالهم لاجتماعهم على رواية  
هذا الحديث , و لا يخدج في ذلك قوله في الرواية الأولى : " أشياخ له " فإنه لا  
منافاة بين الروايتين لأن الأقل يدخل في الأكثر , و زيادة الثقة مقبولة , و قد  
خفيت هذه الرواية الأخرى على الهيثمي , فقال عقب الرواية المطولة و المختصرة : 
" رواه كله أحمد و البزار بالرواية الأولى و كذلك الطبراني في " المعجم الأوسط  
" و فيه ليث بن أبي سليم , و هو مدلس ( ! ) و بقية رجال أحمد رجال الصحيح غير  
شيخه ابن أبي عائشة و هو ثقة , و رجال الرواية الثانية رجال الصحيح , و فيها  
راو لم يسم " ! 
الثالث : عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الجماء  
لتقتص من القرناء يوم القيامة " . أخرجه أحمد ( 1 / 72 ) عن حجاج بن نصير حدثنا  
شعبة عن العوام بن مراجم - من بني قيس بن ثعلبة - عن أبي عثمان النهدي عنه . 
قلت : و هذا إسناد رجاله ثقات غير حجاج بن نصير و هو ضعيف كما في " التقريب " .  
الرابع : عن عبد الله بن أبي أوفى مرفوعا بلفظ : " إنه ليبلغ من عدل الله يوم  
القيامة حتى يقتص للجماء من ذات القرن " . 
أخرجه الطبراني في " الأوسط " ( 9582 ) عن علي بن سنان أخبرنا بشر بن محمد  
الواسطي حدثنا عبد الله بن عمران الواسطي عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن أبي  
أوفى , و قال : " لم يروه عن عطاء إلا عبد الله بن عمران , و لا عنه إلا بشر بن  
محمد , تفرد به علي بن سنان " . قال الهيثمي : " رواه الطبراني في " الأوسط " 
و فيه من لم أعرفهم و عطاء بن السائب اختلط " . 
الخامس : عن ثوبان مرفوعا نحو الحديث الذي قبله . أخرجه الطبراني في " الكبير "  
( 1421 ) و فيه زيد بن ربيعة و قد ضعفه جماعة , و قال ابن عدي : أرجو أن لا بأس  
به و بقية رجاله ثقات . 
( فائدة ) قال النووي في " شرح مسلم " تحت حديث الترجمة : " هذا تصريح بحشر  
البهائم يوم القيامة و إعادتها يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميين 
و كما يعاد الأطفال و المجانين , و من لم تبلغه دعوة . و على هذا تظاهرت دلائل  
القرآن و السنة , قال الله تعالى : *( و إذا الوحوش حشرت )* و إذا ورد لفظ  
الشرع و لم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل و لا شرع , وجب حمله على ظاهره . قال  
العلماء : و ليس من شرط الحشر و الإعادة في القيامة المجازاة و العقاب و الثواب  
. و أما القصاص من القرناء للجلحاء فليس هو من قصاص التكليف , إذ لا تكليف  
عليها بل هو قصاص مقابلة , و ( الجلحاء ) بالمد هي الجماء التي لا قرن لها . 
و الله أعلم " . و ذكر نحوه ابن الملك في " مبارق الأزهار " ( 2 / 293 ) مختصرا  
. و نقل عنه العلامة الشيخ علي القاريء في " المرقاة " ( 4 / 761 ) أنه قال : 
" فإن قيل : الشاة غير مكلفة , فكيف يقتص منها ? قلنا : إن الله تعالى فعال لما  
يريد و لا يسأل عما يفعل و الغرض منه إعلام العباد أن الحقوق لا تضيع بل يقتص  
حق المظلوم من الظالم " . قال القاريء : " و هو وجه حسن , و توجيه مستحسن , إلا  
أن التعبير عن الحكمة بـ ( الغرض ) وقع في غير موضعه . و جملة الأمر أن القضية  
دالة بطريق المبالغة على كمال العدالة بين كافة المكلفين , فإنه إذا كان هذا  
حال الحيوانات الخارجة عن التكليف , فكيف بذوي العقول من الوضيع و الشريف , 
و القوي و الضعيف ? " . 
قلت : و من المؤسف أن ترد كل هذه الأحاديث من بعض علماء الكلام بمجرد الرأي , 
و أعجب منه أن يجنح إليه العلامة الألوسي ! فقال بعد أن ساق الحديث عن أبي  
هريرة من رواية مسلم و من رواية أحمد بلفظ الترجمة عند تفسيره آية *( و إذا  
الوحوش حشرت )* في تفسيره " روح المعاني " ( 9 / 306 ) : " و مال حجة الإسلام  
الغزالي و جماعة إلى أنه لا يحشر غير الثقلين لعدم كونه مكلفا و لا أهلا لكرامة  
بوجه , و ليس في هذا الباب نص من كتاب أو سنة معول عليها يدل على حشر غيرهما من  
الوحوش , و خبر مسلم و الترمذي و إن كان صحيحا لكنه لم يخرج مخرج التفسير للآية  
و يجوز أن يكون كناية عن العدل التام . و إلى هذا القول أميل و لا أجزم بخطأ  
القائلين بالأول لأن لهم ما يصلح مستندا في الجملة . و الله تعالى أعلم " . 
قلت : كذا قال - عفا الله عنا و عنه - و هو منه غريب جدا لأنه على خلاف ما  
نعرفه عنه في كتابه المذكور , من سلوك الجادة في تفسير آيات الكتاب على نهج  
السلف , دون تأويل أو تعطيل , فما الذي حمله هنا على أن يفسر الحديث على خلاف  
ما يدل عليه ظاهره , و أن يحمله على كناية عن العدل التام , أليس هذا تكذيبا  
للحديث المصرح بأنه يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء , فيقول هو تبعا لعلماء  
الكلام : إنه كناية ! ... أي لا يقاد للشاة الجماء . و هذا كله يقال لو وقفنا  
بالنظر عند رواية مسلم المذكورة , أما إذا انتقلنا به إلى الروايات الأخرى  
كحديث الترجمة و حديث أبي ذر و غيره , فإنها قاطعة في أن القصاص المذكور هو  
حقيقة و ليس كناية , و رحم الله الإ