معه أساورة كسرى و أهل أصفهان . قال : فأين  
الجناحان ? فذكر الهرمزان مكانا نسيته , فقال الهرمزان : اقطع الجناحين توهن  
الرأس . فقال له عمر رضوان الله عليه : كذبت يا عدو الله , بل أعمد إلى الرأس  
فيقطعه الله , فإذا قطعه الله عني انقطع عني الجناحان . فأراد عمر أن يسير إليه  
بنفسه , فقالوا : نذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تسير بنفسك إلى العجم , فإن  
أصبت بها لم يكن للمسلمين نظام , و لكن ابعث الجنود . قال : فبعث أهل المدينة   
و بعث فيهم عبد الله بن عمر بن الخطاب , و بعث المهاجرين و الأنصار , و كتب إلى  
أبي موسى الأشعري أن سر بأهل البصرة , و كتب إلى حذيفة بن اليمان أن سر بأهل  
الكوفة حتى تجتمعوا بنهاوند جميعا , فإذا اجتمعتم فأميركم النعمان بن مقرن  
المزني . فلما اجتمعوا بنهاوند أرسل إليهم بندار [ العلج ] أن أرسلوا إلينا يا  
معشر العرب رجلا منكم نكلمه , فاختار الناس المغيرة بن شعبة , قال أبي : فكأني  
أنظر إليه : رجل طويل أشعر أعور , فأتاه , فلما رجع إلينا سألناه ? فقال لنا :  
وجدت العلج قد استشار أصحابه في أي شيء تأذنون لهذا العربي ? أبشارتنا و بهجتنا  
و ملكنا ? أو نتقشف له فنزهده عما في أيدينا ? فقالوا : بل نأذن له بأفضل ما  
يكون من الشارة و العدة . فلما رأيتهم رأيت تلك الحراب و الدرق يلمع منها البصر  
, و رأيتهم قياما على رأسه , فإذا هو على سرير من ذهب , و على رأسه التاج ,  
فمضيت كما أنا , و نكست رأسي لأقعد معه على السرير , فقال : فدفعت و نهرت ,  
فقلت : إن الرسل لا يفعل بهم هذا . فقالوا لي : إنما أنت كلب , أتقعد مع الملك  
?! فقلت : لأنا أشرف في قومي من هذا فيكم , قال : فانتهرني و قال : اجلس .  
فجلست . فترجم لي قوله , فقال : يا معشر العرب , إنكم كنتم أطول الناس جوعا ,   
و أعظم الناس شقاء , و أقذر الناس قذرا , و أبعد الناس دارا , و أبعده من كل  
خير , و ما كان منعني أن آمر هذه الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجسا  
لجيفكم لأنكم أرجاس , فإن تذهبوا يخلى عنكم , و إن تأبوا نبوئكم مصارعكم . قال  
المغيرة : فحمدت الله و أثنيت عليه و قلت : والله ما أخطأت من صفتنا و نعتنا  
شيئا , إن كنا لأبعد الناس دارا , و أشد الناس جوعا , و أعظم الناس شقاء , و  
أبعد الناس من كل خير , حتى بعث الله إلينا رسولا فوعدنا بالنصر في الدنيا , و  
الجنة في الآخرة , فلم نزل نتعرف من ربنا - مذ جاءنا رسوله صلى الله عليه وسلم  
- الفلاح و النصر , حتى أتيناكم , و إنا والله نرى لكم ملكا و عيشا لا نرجع إلى  
ذلك الشقاء أبدا حتى نغلبكم على ما في أيديكم أو نقتل في أرضكم . فقال : أما  
الأعور فقد صدقكم الذي في نفسه . فقمت من عنده و قد والله أرعبت العلج جهدي ,  
فأرسل إلينا العلج : إما أن تعبروا إلينا بنهاوند و إما أن نعبر إليكم . فقال  
النعمان : اعبروا فعبرنا . فقال أبي : فلم أر كاليوم قط , إن العلوج يجيئون  
كأنهم جبال الحديد , و قد تواثقوا أن لا يفروا من العرب , و قد قرن بعضهم إلى  
بعض حتى كان سبعة في قران , و ألقوا حسك الحديد خلفهم و قالوا : من فر منا عقره  
حسك الحديد . فقال : المغيرة بن شعبة حين رأى كثرتهم : لم أر كاليوم قتيلا <3>  
, إن عدونا يتركون أن يتناموا , فلا يعجلوا . أما والله لو أن الأمر إلي لقد  
أعجلتهم به . قال : و كان النعمان رجلا بكاء , فقال : قد كان الله جل و عز  
يشهدك أمثالها فلا يحزنك و لا يعيبك موقفك . و إني والله ما يمنعني أن أناجزهم  
إلا لشيء شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه  
وسلم .. ( فذكر الحديث ) . ثم قال النعمان : اللهم إني أسألك أن تقر عيني بفتح  
يكون فيه عز الإسلام و أهله , و ذل الكفر و أهله . ثم اختم لي على أثر ذلك  
بالشهادة . ثم قال : أمنوا رحمكم الله . فأمنا و بكى فبكينا . فقال النعمان :  
إني هاز لوائي فتيسروا للسلاح , ثم هازها الثانية , فكونوا متيسرين لقتال عدوكم  
بإزائكم , فإذا هززتها الثالثة فليحمل كل قوم على من يليهم من عدوهم على بركة  
الله , قال : فلما حضرت الصلاة وهبت الأرواح كبر و كبرنا . و قال : ريح الفتح  
والله إن شاء الله , و إني لأرجو أن يستجيب الله لي , و أن يفتح علينا . فهز  
اللواء فتيسروا , ثم هزها الثانية , ثم هزها الثالثة , فحملنا جميعا كل قوم على  
من يليهم . و قال النعمان : إن أنا أصبت فعلى الناس حذيفة بن اليمان , فإن أصيب  
حذيفة ففلان , فإن أصيب فلان [ ففلان ] حتى عد سبعة آخرهم المغيرة بن شعبة .  
قال أبي : فوالله ما علمت من المسلمين أحدا يحب أن يرجع إلى أهله حتى يقتل أو  
يظفر . فثبتوا لنا , فلم نسمع إلا وقع الحديد على الحديد , حتى أصيب في  
المسلمين عصابة عظيمة . فلما رأوا صبرنا و رأونا لا نريد أن نرجع انهزموا ,  
فجعل يقع الرجل فيقع عليه سبعة في قران فيقتلون جميعا , و جعل يعقرهم حسك  
الحديد خلفهم . فقال النعمان : قدموا اللواء , فجعلنا نقدم اللواء فنقتلهم و  
نهزمهم , فلما رأى النعمان قد استجاب الله له و رأى الفتح , جاءته نشابة فأصابت  
خاصرته , فقتلته . فجاء أخوه معقل بن مقرن فسجى عليه ثوبا , و أخذ اللواء ,  
فتقدم ثم قال : تقدموا رحمكم الله , فجعلنا نتقدم فنهزمهم و نقتلهم , فلما  
فرغنا و اجتمع الناس قالوا : أين الأمير ? فقال معقل : هذا أميركم قد أقر الله  
عينه بالفتح , و ختم له بالشهادة . فبايع الناس حذيفة بن اليمان . قال : و كان  
عمر بن الخطاب رضوان الله عليه بالمدينة يدعو الله , و ينتظر مثل صيحة الحبلى ,  
فكتب حذيفة إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين , فلما قدم عليه قال : أبشر يا  
أمير المؤمنين بفتح أعز الله فيه الإسلام و أهله , و أذل فيه الشرك و أهله . و  
قال : النعمان بعثك ? قال : احتسب النعمان يا أمير المؤمنين , فبكى عمر و  
استرجع , فقال : و من ويحك ? قال : فلان و فلان - حتى عد ناسا - ثم قال : و  
آخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم . فقال عمر رضوان الله عليه - و هو يبكي - :  
لا يضرهم أن لا يعرفهم عمر , لكن الله يعرفهم ) . قلت : و هذا إسناد صحيح رجاله  
ثقات , قد صرح مبارك بن فضالة بالتحديث , و قد تابعه سعيد بن عبيد الله الثقفي  
: حدثنا بكر بن عبد الله المزني و زياد بن جبير عن جبير بن حية به إلى قوله : "  
و تحضر الصلوات " . أخرجه البخاري ( 3159 و 3160 ) , و فيه زيادة : " و الجناح  
قيصر " , و أشار الحافظ ( 6 / 264 ) إلى شذوذها , لمخالفتها لطريق مبارك بن  
فضالة هذه , و طريق معقل بن يسار الآتية , و فيها : " أصبهان الرأس , و فارس و  
أذربيجان الجناحان " . و هذا أولى كما قال الحافظ فراجعه . قلت : و لعل الوهم  
في هذه الزيادة الشاذة من سعيد بن عبيد الله الثقفي , فقد تكلم فيه بعضهم من  
قبل حفظه , و قال الحافظ نفسه في " التقريب " : " صدوق ربما وهم " . و للحديث  
طريق أخرى من رواية حماد بن سلمة قال : أخبرني أبو عمران الجوني عن علقمة بن  
عبد الله المزني عن معقل بن يسار أن عمر بن الخطاب شاور الهرمزان في فارس و  
أصبهان و أذربيجان الحديث بطوله مع اختصار بعض الجمل . أخرجه ابن أبي شيبة ( 13  
/ 8 - 13 ) . قلت : و إسناده جيد , رجاله رجال الصحيح غير علقمة بن عبد الله  
المزني , و هو ثقة " . و قال الحافظ ف