جريري عن أبي العلاء ابن  
الشخير به نحوه . ( الصفي ) : ما كان صلى الله عليه وسلم يصطفيه و يختاره من  
عرض المغنم من فرس أو غلام أو سيف , أو ما أحب من شيء , و ذلك من رأس المغنم  
قبل أن يخمس , كان صلى الله عليه وسلم مخصوصا بهذه الثلاث ( يعني المذكورة في  
الحديث : الخمس و السهم و الصفي ) عقبة و عوضا عن الصدقة التي حرمت عليه . قاله  
الخطابي . قلت : في هذا الحديث بعض الأحكام التي تتعلق بدعوة الكفار إلى  
الإسلام , من ذلك : أن لهم الأمان إذا قاموا بما فرض الله عليهم , و منها : أن  
يفارقوا المشركين و يهاجروا إلى بلاد المسلمين . و في هذا أحاديث كثيرة , يلتقي  
كلها على حض من أسلم على المفارقة , كقوله صلى الله عليه وسلم : " أنا بريء من  
كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين , لا تتراءى نارهما " , و في بعضها أن النبي  
صلى الله عليه وسلم اشترط على بعضهم في البيعة أن يفارق المشرك . و في بعضها  
قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله عز وجل من مشرك بعد ما أسلم عملا ,  
أو يفارق المشركين إلى المسلمين " . إلى غير ذلك من الأحاديث , و قد خرجت بعضها  
في " الإرواء " ( 5 / 29 - 33 ) و فيما تقدم برقم ( 636 ) . و إن مما يؤسف له  
أشد الأسف أن الذين يسلمون في العصر الحاضر - مع كثرتهم و الحمد لله - لا  
يتجاوبون مع هذا الحكم من المفارقة , و هجرتهم إلى بلاد الإسلام , إلا القليل  
منهم , و أنا أعزو ذلك إلى أمرين اثنين : الأول : تكالبهم على الدنيا , و تيسر  
وسائل العيش و الرفاهية في بلادهم بحكم كونهم يعيشون حياة مادية ممتعة , لا روح  
فيها , كما هو معلوم , فيصعب عليهم عادة أن ينتقلوا إلى بلد إسلامي قد لا تتوفر  
لهم فيه وسائل الحياة الكريمة في وجهة نظرهم . و الآخر - و هو الأهم - : جهلهم   
بهذا الحكم , و هم في ذلك معذورون , لأنهم لم يسمعوا به من أحد من الدعاة الذين  
تذاع كلماتهم مترجمة ببعض اللغات الأجنبية , أو من الذين يذهبون إليهم باسم  
الدعوة لأن أكثرهم ليسوا فقهاء و بخاصة منهم جماعة التبليغ , بل إنهم ليزدادون  
لصوقا ببلادهم , حينما يرون كثيرا من المسلمين قد عكسوا الحكم بتركهم لبلادهم  
إلى بلاد الكفار ! فمن أين لأولئك الذين هداهم الله إلى الإسلام أن يعرفوا مثل  
هذا الحكم و المسلمون أنفسهم مخالفون له ?! ألا فليعلم هؤلاء و هؤلاء أن الهجرة  
ماضيه كالجهاد , فقد قال صلى الله عليه وسلم : " لا تنقطع الهجرة ما دام العدو  
يقاتل " , و في حديث آخر : " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة , و لا تنقطع  
التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها " و هو مخرج في " الإرواء " ( 1208 ) . و مما  
ينبغي أن يعلم أن الهجرة أنواع و لأسباب عدة , و لبيانها مجال آخر , و المهم  
هنا الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام مهما كان الحكام فيها منحرفين عن  
الإسلام , أو مقصرين في تطبيق أحكامه , فهي على كل حال خير بما لا يوصف من بلاد  
الكفر أخلاقا و تدينا و سلوكا , و ليس الأمر - بداهة - كما زعم أحد الجهلة  
الحمقى الهوج من الخطباء : " والله لو خيرت أن أعيش في القدس تحت احتلال اليهود  
و بين أن أعيش في أي عاصمة عربية لاخترت أن أعيش في القدس تحت احتلال اليهود "  
! و زاد على ذلك فقال ما نصه : " ما أرى إلا أن الهجرة واجبة من الجزائر إلى (  
تل أبيب ) " !! كذا قال فض فوه , فإن بطلانه لا يخفى على مسلم مهما كان غبيا !  
و لتقريب ما ذكرت من الخيرية إلى أذهان القراء المحبين للحق الحريصين على  
معرفته و اتباعه , الذين لا يهولهم جعجعة الصائحين , و صراخ الممثلين , و  
اضطراب الموتورين من الحاسدين و الحاقدين من الخطباء و الكاتبين : أقول لأولئك  
المحبين : تذكروا على الأقل حديثين اثنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم :  
أحدهما : " إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها " . أخرجه  
البخاري و مسلم و غيرهما . و الآخر : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق  
حتى يأتيهم أمر الله و هم ظاهرون " , و هو حديث صحيح متواتر رواه جماعة من  
الصحابة , و تقدم تخريجه عن جمع منهم برقم ( 270 و 1108 و 1955 و 1956 ) , و "  
صحيح أبي داود " ( 1245 ) , و في بعضها أنهم " أهل المغرب " أي الشام , و جاء  
ذلك مفسرا عند البخاري و غيره عن معاذ , و عند الترمذي و غيره مرفوعا بلفظ : "  
إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم , و لا تزال طائفة من أمتي .. " الحديث . و في  
هذه الأحاديث إشارة قوية إلى أن العبرة في البلاد إنما هي بالسكان و ليس  
بالحيطان . و قد أفصح عن هذه الحقيقة سلمان الفارسي رضي الله عنه حين كتب أبو  
الدرداء إليه : أن هلم إلى الأرض المقدسة , فكتب إليه سلمان : إن الأرض المقدسة  
لا تقدس أحدا , و إنما يقدس الإنسان عمله . ( موطأ مالك 2 / 235 ) . و لذلك فمن  
الجهل المميت و الحماقة المتناهية - إن لم أقل و قلة الدين - أن يختار خطيب  
أخرق الإقامة تحت الاحتلال اليهودي , و يوجب على الجزائريين المضطهدين أن  
يهاجروا إلى ( تل أبيب ) , دون بلده المسلم ( عمان ) مثلا , بل و دون مكة و  
المدينة , متجاهلا ما نشره اليهود في فلسطين بعامة , و ( تل أبيب ) و ( حيفا )  
و ( يافا ) بخاصة من الفسق و الفجور و الخلاعة حتى سرى ذلك بين كثير من  
المسلمين و المسلمات بحكم المجاورة و العدوى , مما لا يخفى على من ساكنهم ثم  
نجاه الله منهم , أو يتردد على أهله هناك لزيارتهم في بعض الأحيان . و ليس بخاف  
على أحد أوتي شيئا من العلم ما في ذاك الاختيار من المخالفة لصريح قوله تعالى  
*( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا : فيم كنتم ? قالوا : كنا  
مستضعفين في الأرض , قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ?! فأولئك  
مأواهم جهنم و ساءت مصيرا . إلا المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان لا  
يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا . فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم و كان الله  
عفوا غفورا , و من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما ( أي تحولا ) كثيرا  
و سعة , و من يخرج من بيته مهاجرا إلى الله و رسوله ثم يدركه الموت فقد وقع  
أجره على الله و كان الله غفورا رحيما )* ( النساء 97 - 100 ) . قال الحافظ ابن  
كثير في " تفسيره " ( 1 / 542 ) : " نزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام  
بين ظهراني المشركين , و هو قادر على الهجرة , و ليس متمكنا من إقامة الدين ,  
فهو ظالم لنفسه , مرتكب حراما بالإجماع , و بنص هذه الآية " . و إن مما لا يشك  
فيه العالم الفقيه أن الآية بعمومها تدل على أكثر من الهجرة من بلاد الكفر , و  
قد صرح بذلك الإمام القرطبي , فقال في " تفسيره " ( 5 / 346 ) : " و في هذه  
الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي , و قال سعيد ابن جبير :  
إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها , و تلا : *( ألم تكن أرض الله واسعة  
فتهاجروا فيها ? )* " . و هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 2 / 174  
/ 1 ) بسند صحيح عن سعيد . و أشار إليه الحافظ في " الفتح " فقال ( 8 / 263 ) :  
" و استنبط سعيد بن جبير من هذه الآية وجوب الهجرة من الأرض التي يعمل فيها  
بالمعصية " . و قد يظن بعض الجهلة من الخطباء و الدكاترة و الأساتذة , أن قوله  
صلى الله عليه وسلم : " لا هجرة بعد الفتح " <1> ناسخ للهجرة مطلقا , و هو جهل  
فا