 صلى الله عليه وسلم ,  
بل يكفي في ذلك التراضي و طيب النفس , فما أشعر بهما و دل عليهما فهو البيع  
الشرعي و هو المعروف عند بعضهم ببيع المعاطاة " , قال الشوكاني في " السيل  
الجرار " ( 3 / 126 ) : " و هذه المعطاة التي تحقق معها التراضي و طيبة النفس  
هي البيع الشرعي الذي أذن الله به , و الزيادة عليه هي من إيجاب ما لم يوجبه  
الشرع " . و قد شرح ذلك شيخ الإسلام في " الفتاوي " ( 29 / 5 - 21 ) بما لا  
مزيد عليه , فليرجع إليه من أراد التوسع فيه . قلت : و إذا كان كذلك , فالشاري  
حين ينصرف بما اشتراه , فإما أن ينقد الثمن , و إما أن يؤجل , فالبيع في الصورة  
الأولى صحيح , و في الصورة الأخرى ينصرف و عليه ثمن الأجل - و هو موضع الخلاف -  
فأين الجهالة المدعاة ? و بخاصة إذا كان الدفع على أقساط , فالقسط الأول يدفع  
نقدا , و الباقي أقساط حسب الاتفاق . فبطلت علة الجهالة أثرا و نظرا . 
3 - دليل القول الثالث حديث الترجمة و حديث ابن مسعود , فإنهما متفقان على أن 
" بيعتين في بيعة ربا " , فإذن الربا هو العلة , و حينئذ فالنهي يدور مع العلة  
وجودا و عدما , فإذا أخذ أعلى الثمنين , فهو ربا , و إذا أخذ أقلهما فهو جائز  
كما تقدم عن العلماء الذين نصوا أنه يجوز أن يأخذ بأقل الثمنين إلى أبعد  
الأجلين , فإنه بذلك لا يكون قد باع بيعتين في بيعة , ألا ترى أنه إذا باع  
السلعة بسعر يومه , و خير الشاري بين أن يدفع الثمن نقدا أو نسيئة أنه لا يصدق  
عليه أنه باع بيعتين في بيعة كما هو ظاهر , و ذلك ما نص عليه صلى الله عليه  
وسلم في قوله المتقدم : " فله أوكسهما أو الربا " , فصحح البيع لذهاب العلة , و  
أبطل الزيادة لأنها ربا , و هو قول طاووس و الثوري و الأوزاعي رحمهم الله تعالى  
كما سبق . و منه تعلم سقوط قول الخطابي في " معالم السنن " ( 5 / 97 ) : " لا  
أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث , و صحح البيع بأوكس الثمنين , إلا  
شيء يحكى عن الأوزاعي , و هو مذهب فاسد , و ذلك لما تتضمنه هذه العقدة من الغرر  
و الجهل " . قلت : يعني الجهل بالثمن كما تقدم عنه و قد علمت مما سلف أن قوله  
هو الفاسد لأنه أقامه على علة لا أصل لها في الشرع , بينما قول الأوزاعي قائم  
على نص الشارع كما تقدم , و لهذا تعقبه الشوكاني بقول في " نيل الأوطار " ( 5 /  
129 ) : " و لا يخفى أن ما قاله الأوزاعي هو ظاهر الحديث لأن الحكم له بالأوكس  
يستلزم صحة البيع " . قلت : الخطابي نفسه قد ذكر أن الأوزاعي قال بظاهر الحديث  
, فلا فرق بينه و بين الخطابي من هذه الحيثية إلا أن الخطابي تجرأ في الخروج عن  
هذا الظاهر و مخالفته لمجرد علة الجهالة التي قالوها برأيهم خلافا للحديث . و  
العجيب حقا أن الشوكاني تابعهم في ذلك بقوله : " و العلة في تحريم بيعتين في  
بيعة عدم استقرار الثمن في صورة بيع الشيء الواحد بثمنين .. " . و ذلك لأن هذه  
المتابعة تتماشى مع الذين يوجبون الإيجاب و القبول في البيوع , و الشوكاني  
يخالفهم في ذلك , و يقول بصحة بيع المعاطاة , و في هذه الصورة ( أعني المعطاة )  
الاستقرار متحقق كما بينته آنفا . ثم إنه يبدو أن الشوكاني - كالخطابي - لم يقف  
على من قال بظاهر الحديث - كالأوزاعي - , و إلا لما سكت على ما أفاده كلام  
الخطابي من تفرد الأوزاعي , و قد روينا لك بالسند الصحيح سلفه في ذلك - و هو  
التابعي الجليل طاووس - و موافقة الإمام الثوري له , و تبعهم الحافظ ابن حبان ,  
فقال في " صحيحه " ( 7 / 226 ) : " ذكر البيان بأن المشتري إذا اشترى بيعتين في  
بيعة على ما وصفنا و أراد مجانبة الربا كان له أوكسهما " . ثم ذكر حديث الترجمة  
, فهذا مطابق لما سبق من أقوال أولئك الأئمة , فليس الأوزاعي وحده الذي قال  
بهذا الحديث . أقول هذا بيانا للواقع , و لكي لا يقول بعض ذوي الأهواء أو من لا  
علم عنده , فيزعم أن مذهب الأوزاعي هذا شاذ ! و إلا فلسنا - و الحمد لله - من  
الذين لا يعرفون الحق إلا بكثرة القائلين به من الرجال , و إنما بالحق نعرف  
الرجال . و الخلاصة أن القول الثاني ثم أضعف الأقوال لأنه لا دليل عنده إلا  
الرأي , مع مخالفة النص , و يليه القول الأول لأن ابن حزم الذي قال به ادعى أن  
حديث الترجمة منسوخ بأحاديث النهي عن بيعتين في بيعة , و هذه دعوى مردودة لأنها  
خلاف الأصول , فإنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع , و هذا من الممكن  
هنا بيسر , فانظر مثلا حديث ابن مسعود , فإنك تجده مطابقا لهذه الأحاديث , و  
لكنه يزيد عليها ببيان علة النهي , و أنها ( الربا ) . و حديث الترجمة يشاركه  
في ذلك , و لكنه يزيد عليه فيصرح بأن البيع صحيح إذا أخذ الأوكس , و عليه يدل  
حديث ابن مسعود أيضا لكن بطريق الاستنباط على ما تقدم بيانه . هذا ما بدا لي من  
طريقة الجمع بين الأحاديث و التفقه فيها , و ما اخترته من أقوال العلماء حولها  
, فإن أصبت فمن الله , و إن أخطأت فمن نفسي , و الله أسأل أن يغفره لي و كل ذنب  
لي . و اعلم أخي المسلم ! أن هذه المعاملة التي فشت بين التجار اليوم , و هي  
بيع التقسيط , و أخذ الزيادة مقابل الأجل , و كلما طال الأجل زيد في الزيادة ,  
إن هي إلا معاملة غير شرعية من جهة أخرى لمنافاتها لروح الإسلام القائم على  
التيسير على الناس و الرأفة بهم , و التخفيف عنهم كما في قوله صلى الله عليه  
وسلم : " رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى , سمحا إذا اقتضى " . رواه  
البخاري . و قوله : من كان هينا , لينا , قريبا حرمه الله على النار " . رواه  
الحاكم و غيره , و قد سبق تخريجه برقم ( 938 ) . فلو أن أحدهم اتقى الله تعالى  
, و باع بالدين أو بالتقسيط بسعر النقد , لكان أربح له حتى من الناحية المادية  
لأن ذلك مما يجعل الناس يقبلون عليه و يشترون من عنده و يبارك له في رزقه ,  
مصداق قوله عز وجل : *( و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب  
)* <1> . و بهذه المناسبة أنصح القراء بالرجوع إلى رسالة الأخ الفاضل عبد  
الرحمن عبد الخالق : " القول الفصل في بيع الأجل " فإنها فريدة في بابها ,  
مفيدة في موضوعها , جزاه الله خيرا . 

-----------------------------------------------------------
[1] الطلاق : الآية : 2 . اهـ .
2327	" من باع دارا و لم يجعل ثمنها في مثلها , لم يبارك له فيها " .

قال الألباني في " السلسلة الصحيحة " 5 / 427 : 

أخرجه البخاري في " التاريخ " ( 4 / 2 / 328 ) و ابن ماجة ( 2 / 97 ) و  
الطيالسي ( 1 / 263 ) و ابن عدي ( 358 / 1 ) عن يوسف بن ميمون عن أبي عبيدة بن  
حذيفة عن أبيه # حذيفة بن اليمان # قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : 
فذكره . قلت : و هذا إسناد ضعيف , يوسف بن ميمون - هو المخزومي مولاهم الكوفي  
الصباغ - ضعيف , و مع ذلك قال ابن عدي : " هذا الحديث لا أرى به بأسا " . 
قلت : لعل ذلك لأنه تابعه يزيد بن أبي خالد الدالاني عن أبي عبيدة به . أخرجه  
البخاري أيضا و كذا الطيالسي و البيهقي ( 6 / 33 ) . و يزيد هذا - هو أبو خالد  
الدالاني - من رجال " التهذيب " , قال الحافظ : " صدوق يخطىء كثيرا , و كان  
يدلس " .‏و لم يعرفه البوصيري في " زوائده " , فقال ( 155 / 1 ) : " لم أعلم  
يزيد بن أبي خالد بعدالة و لا جرح " . قلت : و السبب في ذلك أنه عزاه البيهقي  
فقط , و وقع فيه : " يزيد بن أبي خالد " ليس في