يحة في أن عبادا كان مدلسا . فبماذا رد ذلك الشيخ أحمد ? لقد  
قال ( 5 / 109 ) : " هي تهمة نسبت إليه لكلمات نقلت , لا نراها تصح أو تستقيم "  
! ثم ساق قول أبي حاتم المتقدم في ( الفقرة 5 ) : " نرى أنه أخذ هذه الأحاديث  
عن ابن أبي يحيى ... " . ثم قول يحيى بن سعيد : قلت لعباد : سمعت حديث ... فقال  
عباد : حدثهن ابن أبي يحيى عن داود عن عكرمة . قال الشيخ أحمد : 
" فهذه كلمات توهم التدليس ( ! ) و قد أوقعت في وهم كثير من المحدثين أنه أخذ  
هذه الأحاديث من إبراهيم بن أبي يحيى , حتى أن بعضهم حين نقل شيئا من هذه  
الكلمات كالميزان و التهذيب لم يقل : " ابن أبي يحيى " بل قال : " إبراهيم بن  
أبي يحيى " و إبراهيم ضعيف جدا عندهم . فأخطؤوا خطأ فاحشا , و نسبوا الرجل إلى  
تدليس عن راو ضعيف هو منه براء , و هو تدليس بعيد أن يكون , إن لم يكن غير  
معقول , فإنهم زعموا أنه يدلس اسم راو متأخر مات سنة 184 فكيف يدلس عباد راويا
لا يزال حيا و هو أصغر من بعض تلاميذه ! ! " . 
قلت : الجواب عن هذا سهل جدا - و لا أدرى كيف خفي ذلك على الشيخ الفاضل ? - فإن  
من المعلوم في الأسباب التي تحمل المدلس على التدليس أن تكون روايته عمن هو  
أصغر سنا - من باب رواية الأكابر عن الأصاغر - فيسقطه حبا في العلو بالإسناد 
أو لعلمه بأنه غير مقبول الرواية عند المحدثين , و هذان الأمران متحققان في ابن  
أبي يحيى فما وجه استغراب بل استنكار الشيخ لتدليس عباد إياه , ثم لشيخه داود 
و هو ضعيف أيضا ? !  أفمثل هذا يرد اتهام الأئمة إياه بالتدليس , بل و ينسبون  
إلى الخطأ الفاحش , و يتلقى ذلك الخلف عن السلف , حتى جاء الشيخ يتهمهم بذلك  
بدون حجة ? ! بل باستنكار ما هو واقع في عديد من الروايات من رواية الأكابر عن  
الأصاغر , و من إسقاط الشيخ تلميذه الذي هو شيخه في حديث ما كما هو الواقع هنا  
على ما بينا . 
و أما قوله : " فهذه كلمات توهم التدليس " . فالجواب : من وجهين : 
الأولى : أن من كلمات التدليس كلمة الإمام أحمد : " و كان يدلس " . 
فهي كما ترى صريحة في التدليس , فلا جرم أن الشيخ لم يتعرض لذكرها , فضلا  
للجواب عنها ! 
و الآخر : أن ما ذكره الشيخ عن أبي حاتم ظاهر في اتهامه لعباد بالتدليس و هو  
قوله : " نرى أنه أخذ هذه الأحاديث عن ابن أبي يحى ... " . فإن كان الشيخ يرد  
لذلك من قبل أن أبا حاتم لم يجزم بذلك لقوله " نرى " فالجواب : أنه لا فرق بين  
قوله هذا , و بين قوله الشيخ أحمد نفسه قبله بكلمات : " لا نراها تصح " ! كما  
تقدم نقله عنه ! و جوابنا القاطع أن رأي العالم المختص في علمه حجة على غير  
المختص , لا يجوز رده إلا بحجة أقوى فأين هي ? ! 
و نحو قول أبي حاتم قول يحيى بن سعيد : قلت لعباد : سمعت حديث ... من عكرمة ?  
فقال : حدثهن ابن أبي يحيى عن داود عن عكرمة . فإنه ظاهر في أن يحيى كان عنده  
شك - على الأقل في سماع عباد للأحاديث المذكورة من عكرمة , و لذلك سأله هل  
سمعها منه ? فلم يجبه عباد بجواب يزيل الشك , بل أجاب بما يؤكده , و هو قوله :  
حدثهن إبراهيم ... , فلم يقل حدثنيهن و بهذا يثبت أن عبادا مدلس , و إلا فما  
الذي منعه من التصريح بأنه سمع , و لو بلفظ " نعم " إلى القول بما يشبه كلام  
السياسيين الذي لا يكون صريحا في الجواب , و يحتمل وجوها من المعاني ? ! و هذا  
مما تورط به - في نقدي - العلامة أحمد شاكر نفسه فقال في آخر كلامه : 
" فلو صحت هذه الأسئلة ( يعني من يحيى لعباد ) و هذه الجوابات من عباد لكان  
الأقرب إلى الصواب أن يكون قال : حدثهن ابن أبي يحيى و داود بن الحصين عن عكرمة  
, يريد تقوية روايته بأن داود بن الحصين و محمد بن أبي يحيى رويا هذه الأحاديث  
أيضا عن عكرمة كما رواها , لا أنه يريد أن يثبت على نفسه تدليسا لا حاجة له به  
" ! 
قلت : نعم لو كان له اختيار في ذلك يسعه أن لا يثبت على نفسه التدليس لما فعل .  
أما و قد سئل من الإمام يحيى بن سعيد هل سمع ? و المفروض أنه سمع كما يزعم  
الشيخ فما الذي منعه من التصريح بذلك جوابا على سؤال الإمام ? إلى القول بأنه  
تابعه على روايته عن عكرمة ابن أبي يحيى و داود ! فيا عجبا كيف يرضى الشيخ  
تفسيره ذاك و هو أبعد ما يكون عن إجابة السؤال , لاسيما و هو به قد خرج عن نص  
الرواية فإنها تقول : " حدثهن ابن أبي يحيى عن داود " , و الشيخ يقول : " ابن  
أبي يحيى و داود " ? ! نعم , قد يقال إن الشيخ استجاز مثل هذا القول المخالف  
للرواية لأنه في شك من صحتها كما أشار إلى ذلك بقوله السابق " فلو صحت هذه  
الأسئلة ... " و مثله قوله السابق أيضا " لا نراها تصح " ! و سيأتي الجواب عنه  
في الفقرة التالية . 
و هذا كله على فرض أن الرواية بلفظ " حدثهن " كما رجحه الشيخ , و أما على  
الرواية الأخرى : " حدثني " فهي نص لا يحتمل المعنى الذي ذكره الشيخ إطلاقا .  
فثبت أن عبادا مدلس , و أن نفي الشيخ له مما لا وجه له . 
الثالث : شك الشيخ في صحة سؤال يحيى بن سعيد لعباد هل سمع تلك الأحاديث عن  
عكرمة ? و لم يحمله على الشك في صحته ضعف في إسناده وقف عليه , و إنما هو  
اضطراب وقع - في زعمه - في متنه ! فقد ذكر أنه وقع في " الميزان " بلفظ : "  
حدثني ابن أبي يحيى " بدل " حدثهن ابن أبي يحيى " الذي سبق نقله عن " التهذيب "  
. 
أقول : و مع أن مثل هذا الاختلاف لا يعتبر اضطرابا قادحا في الصحة - لدي  
العارفين بهذا العلم , لإمكان حمل الرواية الأولى - إن قيل إنها مبهمة - على  
الأولى , لأنها مفصلة كما هو واضح . و مع ذلك فاللفظ الأول هو الأرجح , بل  
الراجح عندي لثبوته في كتاب " الضعفاء " للعقيلي , و إسناده هكذا ( ص 273 ) :  
حدثنا محمد بن موسى قال : حدثنا محمد بن سليمان قال : سمعت أحمد بن داود الحداد  
يقول : سمعت علي بن المديني يقول : سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول : فذكره , و  
رواه الحافظ المزي في " التهذيب " من طريق العقيلي . 
قلت : و هذا إسناد جيد , الحداد هذا ثقة مترجم في " تاريخ بغداد ( 4 / 183 -  
140 ) , مات سنة إحدى أو اثنتين و مائتين . 
و محمد بن سليمان هو أبو جعفر المصيصي المعروف بلوين , فيما يظهر , و هو ثقة من  
رجال " التهذيب " مات سنة ( 240 ) . 
و محمد بن موسى هو أبو عبد الله المعروف بالنهرتيري , و هو ثقة جليل مترجم أيضا  
في " التاريخ " ( 3 / 241 - 242 ) , مات سنة ( 289 ) . 
قلت : فقد بان بهذا التخريج أن المسألة صحيحة ثابتة عن يحيى بن سعيد القطان 
و باللفظ الذي يبطل تفسير الشيخ أحمد لها كما تقدم , و يثبت اعتراف عباد بأنه  
لم يسمع تلك الأحاديث من عكرمة , و إنما تلقاها عن إبراهيم - و هو ضعيف جدا كما  
اعترف الشيخ به - عن داود و هو ضعيف في عكرمة خاصة . 
الرابع : و أما زعم الشيخ أن ابن أبي يحيى ليس هو إبراهيم , و إنما هو محمد ابن  
أبي يحيى و هذا ثقة , فمردود بأنه قول محدث , لم يقله أحد قبله فيما أعلمه , بل  
هو مخالف لتصريح ابن حبان المتقدم في الفقرة ( 10 ) . 
" كل ما روى عن عكرمة سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى ... " . و عليه جرى من بعده  
من الحفاظ المتأخرين , فقد قال الحافظ المزي في " التهذيب " " روى عن إبراهيم  
بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي - و هو أكبر منه - " . 
و لم أر أحدا ذكر أنه روى عن محمد بن أبي يحيى والد إبراهيم . 
و أما تصريح عباد بن منصور بسماعه لهذا الحديث عند الت