رف أحدا رواه مثل هذا عن شريك "‎.‎و قال الحاكم : "‎احتج مسلم بشريك "‎! و  
وافقه الذهبي ! و ليس كما قالا ,‎على ما يأتي بيانه ,‎و قال ابن القيم في  
"‎الزاد " ( 1 / 79 )‎و قد ذكر الحديث :‎"‎هو الصحيح "‎, و خالفهم الدارقطني  
فقال عقبه : "‎تفرد به يزيد عن شريك , و لم يحدث به عاصم بن كليب غير شريك , و  
شريك ليس بالقوي فيما يتفرد به " . و خالفهم أيضا البخاري ثم البيهقي فقال هذا  
في "‎سننه " ( 2 / 99 ) : " هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي , و إنما تابعه  
همام من هذا الوجه مرسلا , هكذا ذكره البخاري و غيره من الحفاظ المتقدمين رحمهم  
الله تعالى "‎.‎و هذا هو الحق الذي لا يشك فيه كل من أنصف , و أعطى البحث حقه  
من التحقيق العلمي ,‎أن هذا الإسناد ضعيف ,‎و له علتان : الأولى :‎تفرد شريك به  
. و الأخرى :‎المخالفة .‎و قد سمعت آنفا الدارقطني يقول في شريك :‎إنه ليس  
بالقوي فيما يتفرد به ,‎و في "‎التقريب " :‎"‎صدوق , يخطىء كثيرا , تغير حفظه  
منذ ولي القضاء بالكوفة " .‎قلت :‎فمثله لا يحتج به إذا تفرد فكيف إذا خالف كما  
يأتي بيانه ,‎و قول الحاكم و الذهبي :‎"‎احتج به مسلم "‎من أوهامهما ,‎فإنما  
أخرج له مسلم في المتابعات كما صرح بذلك المنذري في خاتمة "‎الترغيب و الترهيب  
"‎.‎و كثيرا ما يقع الحاكم في مثل هذا الوهم و يتبعه عليه الذهبي على خلاف ما  
يظن به , فيصححان أحاديث شريك على شرط مسلم , و هي لا تستحق التحسين فضلا عن  
التصحيح , فكيف على شرط مسلم ?‎! فليتنبه لهذا من أراد البصيرة في دينه ,‎و  
أحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم .‎و أما المخالفة التي سبقت الإشارة إليها فهي  
من جهتين :‎المتن و السند .‎فأما المتن ,‎فقد روى الحديث جماعة من الثقات عن  
عاصم بن كليب به ,‎فذكروا صفة صلاته صلى الله عليه وسلم بأتم مما ذكره شريك عن  
عاصم , و مع ذلك فلم يذكروا كيفية السجود و النهوض عنه إطلاقا كما أخرجه أبو  
داود و النسائي و أحمد و غيرهم عن زائدة و ابن عيينة و شجاع بن الوليد كلهم عن  
عاصم به <2> . فدل ذلك على أن ذكر الكيفية في حديث عاصم منكر لتفرد شريك به دون  
الثقات .‎و أما المخالفة في السند ,‎فهو أن هماما قال : حدثنا شقيق أبو الليث  
قال : حدثني عاصم بن كليب عن أبيه .‎"‎أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد  
وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه " . أخرجه أبو داود و البيهقي و قال : "  
قال عفان :‎و هذا الحديث غريب " <3> . قلت : فقد خالف شريكا شقيق فأرسله , و  
لكن شفيقا هذا ليس خيرا من شريك , فإنه مجهول لا يعرف ,‎كما قال الذهبي و غيره  
.‎و لهمام فيه إسناد آخر , و لكنه معلول أيضا , فقال : حدثنا محمد بن جحادة عن  
عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم :‎"‎كان إذا  
دخل في الصلاة رفع يديه ... فلما أراد أن يسجد وقعت ركبتاه على الأرض قبل أن  
تقع كفاه ...‎فإذا نهض , نهض على ركبتيه , و اعتمد على فخذيه " .‎أخرجه أبو  
داود و البيهقي <4> و علته الانقطاع ,‎فقال النووي في " المجموع شرح المهذب " (  
3 / 446 ) : " حديث ضعيف لأن عبد الجبار بن وائل اتفق الحفاظ على أنه لم يسمع  
من أبيه شيئا ,‎و لم يدركه " . و في الباب حديث آخر معلول أيضا , رواه أبو  
العلاء بن إسماعيل العطار :‎حدثنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أنس قال  
:‎"‎رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه " .  
أخرجه الدارقطني ( 132 ) و الحاكم ( 1 / 226 ) و عنه البيهقي ( 2 / 99 )‎و  
الحازمي في "‎الاعتبار " ( 55 )‎و ابن حزم في "‎المحلى " ( 4 / 129 ) و الضياء  
المقدسي في " الأحاديث المختارة "‎.‎و قال الدارقطني و البيهقي :‎"‎تفرد به  
العلاء بن إسماعيل " . قلت : و هو مجهول كما قال ابن القيم في "‎الزاد " ( 1 /  
81 ) و من قبله البيهقي كما في " التلخيص " لابن حجر ,‎و قال ابن أبي حاتم في "  
العلل " ( 1 / 188 ) عن أبيه : "‎هذا حديث منكر " . قلت : و أما قول الحاكم و  
الذهبي : " حديث صحيح على شرط الشيخين "‎فغفلة كبيرة منهما عن حال العلاء هذا  
,‎مع كونه ليس من رجال الشيخين ! و قال الحافظ في ترجمته من "‎اللسان " : " و  
قد خالفه عمر بن حفص بن غياث , و هذا من أثبت الناس في أبيه , فرواه عن أبيه عن  
الأعمش عن إبراهيم عن علقمة و غيره عن عمر موقوفا عليه ,‎و هذا هو المحفوظ " .  
قلت :‎أخرجه الطحاوي ( 1 / 151 )‎بالسند المذكور عن إبراهيم عن أصحاب عبد الله  
علقمة و الأسود فقالا :‎حفظنا عن عمر في صلاته أنه خر بعد ركوعه على ركبتيه كما  
يخر البعير ,‎وضع ركبتيه قبل يديه .‎و سنده صحيح .‎قلت : و قد صرح الأعمش عنده  
بالتحديث , و رواه عبد الرزاق ( 2955 )‎نحوه .‎و في هذا الأثر تنبيه هام ,‎و هو  
أن البعير يبرك على ركبتيه , يعني اللتين في مقدمتيه , و إذا كان كذلك لزم أن  
لا يبرك المصلي على ركبتيه كما يبرك البعير , لما ثبت في أحاديث كثيرة من النهي  
عن بروك كبروك الجمل , و جاء في بعضها توضيح ذلك من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ  
: " إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير , و ليضع يديه قبل ركبتيه " . رواه  
أبو داود بسند جيد , و في رواية عن أبي هريرة بلفظ : " كان النبي صلى الله عليه  
وسلم إذا سجد بدأ بوضع يديه قبل ركبتيه " .‎أخرجه الطحاوي في " شرح المعاني " (  
1 / 149 )‎هو الذي قبله بالسند المشار إليه آنفا , و روى له شاهدا من حديث ابن  
عمر من فعله و فعل النبي صلى الله عليه وسلم .‎و سنده صحيح , و صححه الحاكم و  
الذهبي . فهذه الأحاديث الثابتة تدل على نكارة الأحاديث المتقدمة جميعها , و  
مما يدل على ضعف بعضها من جهة ما فيها من الزيادة في هيئة القيام إلى الركعة  
الثانية , حديث أبي قلابة قال : " كان مالك بن الحويرث يأتينا فيقول :‎ألا  
أحدثكم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ?‎فيصلى في غير وقت الصلاة , فإذا  
رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة استوى قاعدا , ثم قام فاعتمد على الأرض  
"‎.‎أخرجه الإمام الشفاعي في " الأم " ( 1 / 101 )‎و النسائي ( 1 / 173 ) و  
البيهقي ( 2 / 124 - 135 )‎بإسناد صحيح على شرط الشيخين , و قد أخرجه البخاري (  
2 / 241 ) من طريق أخرى عن أبي قلابة نحوه .‎ففيه دلالة صريحة على أن السنة في  
القيام إلى الركعة الثانية إنما هو الاعتماد , أي باليد ,‎لأنه افتعال من  
العماد , و المراد به الإتكاء و هو باليد كما في "‎الفتح " قال : " و روى عبد  
الرزاق عن ابن عمر أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدا على يديه قبل أن  
يرفعهما " ,‎قلت : و فيه عنده ( 2964 , 2969 ) العمري و هو ضعيف ,‎لكن الاعتماد  
فيه شاهد قوي سأذكره بإذن الله تحت الحديث الآتي برقم ( 967 ) . فقد ثبت مما  
تقدم أن السنة الصحيحة إنما هو الاعتماد على اليدين في الهوي إلى السجود و في  
القيام منه , خلافا لما دلت عليه هذه الأحاديث الضعيفة , فكان ذلك دليلا آخر  
على ضعفها .

-----------------------------------------------------------
[1] وقع في " الموارد " "‎إسرائيل "‎بدل "‎شريك "‎, و هو خطأ من الناسخ و ليس  
من الطابع , فقد رجعت إلى الأصل المخطوط في المكتبة المحمودية في المدينة  
المنورة فرأيته في ( ق 35 / 1 ) : "‎إسرائيل "‎كما في المطبوعة عنه . فتنب