 و عاصم  
ابن كليب على خلافها , فالواجب العمل بهما , و تأويلهما من أجل أحاديث الباب لا  
يسوغ لصحتهما و ضعف معارضهما , والله أعلم . 
( فائدة ) : المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل و البقر و الغنم , و هي من  
الغنم و البقر ما دخل في السنة الثالثة , و من الإبل ما دخل في السادسة و الجذع
من الضأن ما له سنة تامة على الأشهر عند أهل اللغة و جمهور أهل العلم كما قال  
الشوكاني و غيره . 
استدراك : ذلك ما كنت كتبته سابقا منذ نحو خمس سنوات , و كان محور اعتمادي في
ذلك على حديث جابر المذكور من رواية مسلم عن أبي الزبير عنه مرفوعا : " لا  
تذبحوا إلا مسنة ... " , و تصحيح الحافظ ابن حجر إياه , ثم بدا لي أني كنت  
واهما في ذلك , تبعا للحافظ , و أن هذا الحديث الذي صححه هو و أخرجه مسلم كان  
الأحرى به أن يحشر في زمرة الأحاديث الضعيفة , لا أن تتأول به الأحاديث الصحيحة  
ذلك لأن أبا الزبير هذا مدلس , و قد عنعنه , و من المقرر في " علم المصطلح " أن  
المدلس لا يحتج بحديثه إذا لم يصرح بالتحديث , و هذا هو الذي صنعه أبو الزبير  
هنا , فعنعن , و لم يصرح , و لذلك انتقد المحققون من أهل العلم أحاديث يرويها  
أبو الزبير بهذا الإسناد أخرجها مسلم , اللهم إلا ما كان من رواية الليث بن سعد  
عنه , فإنه لم يرو عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث , فقال الحافظ الذهبي في ترجمة  
أبي الزبير - و اسمه محمد بن مسلم بن تدرس بعد أن ذكر فيه طعن بعض الأئمة بما  
لا يقدح في عدالته : و أما أبو محمد بن حزم , فإنه يرد من حديثه ما يقول فيه عن
جابر و نحوه لأنه عندهم ممن يدلس , فإذا قال : سمعت , و أخبرنا احتج به , 
و يحتج به ابن حزم إذا قال : عن مما رواه عنه الليث بن سعد خاصة , و ذلك لأن  
سعيد بن أبي مريم قال : حدثنا الليث قال : جئت أبا الزبير , فدفع إلى كتابين ,  
فانقلبت بهما , ثم قلت في نفسي : لو أننى عاودته فسألته أسمع هذا من جابر ? 
فسألته , فقال : منه ما سمعت , و منه ما حدثت به , فقلت : أعلم لي على ما سمعت
منه , فأعلم لي على هذا الذي عندي , ثم قال الذهبي : و في " صحيح مسلم " عدة  
أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع من جابر , و لا هي من طريق الليث  
عنه , ففي القلب منها شيء , و قال الحافظ في ترجمته من " التقريب " : صدوق إلا
أنه يدلس , و أورده في المرتبة الثالثة من كتابه " طبقات المدلسين ( ص 15 ) 
و قال : مشهور بالتدليس , و وهم الحاكم في " كتاب علوم الحديث " فقال في سنده :
و فيه رجال غير معروفين بالتدليس ! و قد وصفه النسائي و غيره بالتدليس , و قال  
في مقدمة الكتاب في صدد شرح مراتبه : الثالثة من أكثر من التدليس , فلم يحتج  
الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع , و منهم من رد حديثهم مطلقا , 
و منهم من قبلهم , كأبي الزبير المكي . 
قلت : و الصواب من ذلك المذهب الأول و هو قبول ما صرحوا فيه بالسماع و عليه  
الجمهور خلافا لابن حزم فإنه يرد حديثهم مطلقا و لو صرحوا بالتحديث كما نص عليه  
في أول كتابه " الإحكام في أصول الأحكام " على ما أذكر , فإن يدي لا تطوله الآن  
و أرى أنه قد تناقض في أبي الزبير منهم خاصة , فقد علمت مما نقلته لك عن الذهبي  
آنفا أن ابن حزم يحتج به إذا قال : سمعت , و هذا ما صرح به في هذا الحديث ذاته  
فقال في " المحلى " في صدد الرد على المخالفين له ( 7 / 363 - 364 ) : هذا حجة  
على الحاضرين من المخالفين , لأنهم يجيزون الجذع من الضأن , مع وجود المسنات ,  
فقد خالفوه , و هم يصححونه , و أما نحن فلا نصححه , لأن أبا الزبير مدلس ما لم  
يقل في الخبر أنه سمعه من جابر , هو أقر بذلك على نفسه , روينا ذلك عنه من طريق  
الليث بن سعد .
انظر " الإحكام "‏( 1 / 139 ـ 140 ) , و مقدمتي لـ" مختصر مسلم " ( المكتبة  
الإسلامية ) .
و جملة القول : أن كل حديث يرويه أبو الزبير عن جابر أو غيره بصيغة عن و نحوها  
و ليس من رواية الليث بن سعد عنه , فينبغي التوقف عن الاحتجاج به , حتى يتبين  
سماعه , أو ما يشهد له , و يعتضد به . 
هذه حقيقة يجب أن يعرفها كل محب للحق , فطالما غفل عنها عامة الناس , و قد كنت  
واحدا منهم , حتى تفضل الله علي فعرفني بها , فله الحمد و الشكر , و كان من  
الواجب علي أن أنبه على ذلك , فقد فعلت , و الله الموفق لا رب سواه . 
و إذا تبين هذا , فقد كنت ذكرت قبل حديث جابر هذا حديثين ثابتين في التضحية  
بالجذع من الضأن , أحدهما حديث عقبة بن عامر , و الآخر حديث مجاشع بن مسعود  
السلمي و فيه : " أن الجذع يوفي مما يوفي الثني " , و كنت تأولتهما بما يخالف  
ظاهرهما توفيقا بينهما و بين حديث جابر , فإذ قد تبين ضعفه , و أنه غير صالح  
للاحتجاج به , و لتأويل ما صح من أجله , فقد رجعت عن ذلك , إلى دلالة الحديثين  
الظاهرة في جواز التضحية بالجذع من الضأن خاصة , و حديث مجاشع و إن كان بعمومه  
يشمل الجذع من المعز , فقد جاء ما يدل على أنه غير مراد و هو حديث البراء قال :  
ضحى خالي أبو بردة قبل الصلاة , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تلك شاة  
لحم " , فقال : يا رسول الله إن عندي جذعة من المعز , فقال : " ضح بها , و لا  
تصلح لغيرك " و في رواية : " اذبحها , و لن تجزئ عن أحد بعدك " و في أخرى : 
" و لا تجزيء جذعة عن أحد بعدك " , أخرجه مسلم ( 6 / 74 - 76 ) و البخاري نحوه  
و يبدو جليا من مجموع الروايات أن المراد بالجذعة في اللفظ الأخير الجذعة من  
المعز , فهو في ذلك كحديث عقبة المتقدم من رواية البخاري , و أما فهم ابن حزم  
من هذا اللفظ جذعة العموم فيشمل عنده الجذعة من الضأن فمن ظاهريته و جموده على  
اللفظ دون النظر إلى ما تدل عليه الروايات بمجموعها , و السياق و السباق , 
و هما من المقيدات , كما نص على ذلك ابن دقيق العيد و غيره من المحققين . 
ذلك هو الجواب الصحيح عن حديث جابر رضي الله عنه , و أما قول الحافظ في 
" التلخيص " ( ص 385 ) .
تنبيه : ظاهر الحديث يقتضي أن الجذع من الضأن لا يجزئ إلا إذا عجز عن المسنة ,  
و الإجماع على خلافه , فيجب تأويله , بأن يحمل على الأفضل و تقديره : المستحب  
أن لا تذبحوا إلا مسنة . 
قلت : هذا الحمل بعيد جدا , و لو سلم فهو تأويل , و التأويل فرع التصحيح , 
و الحديث ليس بصحيح كما عرفت فلا مسوغ لتأويله . 
و قد تأوله بعض الحنابلة بتأويل آخر لعله أقرب من تأويل الحافظ , ففسر المسنة  
بما إذا كانت من المعز ! و يرد هذا ما في رواية لأبي يعلى في " مسنده " 
( ق 125 / 2 ) بلفظ : " إذا عز عليك المسان من الضأن , أجزأ الجذع من الضأن " 
و هو و إن كان ضعيف السند كما بينته في " إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار  
السبيل " ( رقم 1131 ) , فمعناه هو الذي يتبادر من اللفظ الأول . 
و لعل الذي حمل الحافظ و غيره على ارتكاب مثل هذا التأويل البعيد هو الاعتقاد  
بأن الإجماع على خلاف ظاهر الحديث , و قد قاله الحافظ كما رأيت .
فينبغي أن يعلم أن بعض العلماء كثيرا ما يتساهلون في دعوى الإجماع في أمور  
الخلاف فيها معروف , و عذرهم في ذلك أنهم لم يعلموا بالخلاف , فينبغي التثبت في  
هذه الدعوى في مثل هذه المسألة التي لا يستطيع العالم أن يقطع بنفي الخلاف فيها  
كما أرشدنا الإمام أحمد رحمه الله بقوله : من ادعى الإجماع فهو كاذب , و ما  
يدريه لعلهم اختلفوا 