 من ذلك  
أن العلة الأولى قد نبه عليها الدارقطني في جملته التي ذكرنا عنه في أول هذا  
التحقيق , فلما نقلها ابن الجوزي عنه اقتصر منها على الشطر الأول الذي فيه  
إعلال الحديث بالوقف , و لم يذكر الشطر الثاني الذي فيه الإشارة إلى العلة  
الأولى و هي ضعف ابن أبي ليلى ! و هذا شيء لا يليق بأهل التحقيق و العلم . و من  
الأوهام حول هذا الحديث قول الإمام الصنعاني - في " العدة على شرح العمدة " ( 1  
/ 404 ) : " ثبت عنه (‎يعني ابن عباس )‎مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم  
أنه قال : إنه بمنزلة البصاق و المخاط .... أخرجه الدارقطني من حديث إسحاق بن  
يوسف الأزرق : حدثنا شريك .... " . ثم أعاده قائلا ( 1 / 405 ) : " و إسناده  
صحيح كما قال ابن القيم في ( بدائع الفوائد ) " <1> . قلت :‎و هذا هو السبب  
الذي دفعني إلى كتابة هذا التحقيق حول هذا الحديث , و بيان أن رفعه وهم و إن  
كان ما تضمنه من الحكم على المني بالطهارة هو الصواب , و حسبنا في ذلك جزم ابن  
عباس رضي الله عنه بأنه بمنزلة المخاط و البصاق  , و لا يعرف له مخالف من  
الصحابة , و لا ما يعارضه من الكتاب و السنة , و قد حقق القول في المسألة ابن  
قيم الجوزية في المصدر السابق تحت عنوان "‎مناظرة بين فقيهين في طهارة المني و  
نجاسته " ( 3 / 119 - 126 ) و هو بحث هام جدا في غاية التحقيق . 

-----------------------------------------------------------
[1] البدائع ( 3 / 123 ) . اهـ .
949	" كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر بالهاجرة فقال لنا :  
أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم "‏.

قال الألباني في "‎السلسلة الضعيفة و الموضوعة " ( 2 / 362 ) : 

$ ضعيف بهذا السياق $ . أخرجه ابن ماجة ( 1 / 232 ) و ابن أبي حاتم في " العلل  
" ( رقم 376 و 378 ) و ابن حبان في " صحيحه "‏( 269 - موارد ) و الطحاوي في "  
شرح المعاني "‏( 1 / 111 ) و البيهقي ( 1 / 439 ) و أحمد ( 4 / 250 ) من طريق  
إسحاق بن يوسف الأزرق عن شريك عن بيان بن بشر عن قيس بن أبي حازم عن # المغيرة  
بن شعبة # قال : فذكره . قلت : و هذا سند ضعيف , علته شريك و هو بن عبد الله  
القاضي و هو ضعيف لسوء حفظه كما تقدم آنفا , و قال الحافظ في " التقريب " : "  
صدوق يخطيء كثيرا , تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة " . قلت : و من ذلك تعلم  
أن قول الحافظ في " الفتح " ( 2 / 13 ) : " رجاله ثقات , رواه أحمد و ابن ماجه  
و صححه ابن حبان " , وهم أو تساهل منه , و إن قلده فيه الصنعاني في " العدة " (  
2 / 485 ) , و أشد منه في الوهم قول البوصيري في " الزوائد " ( ق 46 / 1 ) : "  
إسناده صحيح , و رجاله ثقات " !! و ليت شعري كيف يكون ثقة صحيح الإسناد و فيه  
من كان يخطيء كثيرا , و هو معروف بذلك لدى أهل العلم ?! و لاسيما و قد اضطرب في  
إسناد هذا الحديث , فرواه مرة هكذا , و مرة قال : " عن عمارة بن القعقاع عن أبي  
زرعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله " . رواه على الوجهين أبو  
حاتم الرازي , فقال ابنه ( 1 / 136 / 378 ) : " سمعت أبي يقول : سألت يحيى بن  
معين و قلت له : حدثنا أحمد بن حنبل بحديث إسحاق الأزرق عن شريك عن بيان ... (  
قلت : فذكره ثم قال : ) و ذكرته للحسن بن شاذان الواسطي فحدثنا به , و حدثنا  
أيضا عن إسحاق عن شريك عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي  
صلى الله عليه وسلم : بمثله ? قال يحيى : ليس له أصل إني <1> نظرت في كتاب  
إسحاق فليس فيه هذا . قلت لأبي : فما قولك في حديث عمارة بن القعقاع عن أبي  
زرعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : الذي أنكره يحيى ? قال هو  
عندي صحيح و حدثنا به أحمد ابن حنبل بالحديثين جميعا عن إسحاق الأزرق . قلت  
لأبي : فما بال يحيى نظر في كتاب إسحاق فلم يجده ? قال : كيف ? نظر في كتابه  
كله ? ! إنما نظر في بعض و ربما كان في موضع آخر " . فقد حكم أبو حاتم على  
الحديث بالصحة من رواية شريك بسنده عن أبي هريرة خلافا لما يوهمه صنيع الحافظ  
في " التلخيص " ( 67 ) أنه صحح حديث المغيرة , و السياق المذكور من كلام أبي  
حاتم يشهد لما ذكرنا . و يؤيده أن أبا حاتم أعل الطريق الأولى . فقد قال ابن  
أبي حاتم ( 1 / 136 / 376 ) بعد أن ساقها : " و رواه أبو عوانة عن طارق عن قيس  
قال :‎سمعت عمر بن الخطاب قال :‎أبردوا بالصلاة . قال ابن أبي حاتم عن أبيه : "  
أخاف أن يكون هذا الحديث ( يعني الموقوف على عمر ) يدفع ذاك الحديث . قلت :  
فأيهما أشبه ? قال : كأنه هذا , يعني حديث عمر قال أبي في موضع آخر : لو كان  
عند قيس عن المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج أن يفتقر إلى أن يحدث  
عن عمر موقوفا " . و قد ذكر الحافظ في " التلخيص " عن ابن معين نحو ما ذكر ابن  
أبي حاتم عن أبيه فقال : " و أعله ابن معين بما روى أبو عوانة عن طارق عن قيس  
عن عمر موقوفا . و قال : لو كان عند قيس عن المغيرة مرفوعا لم يفتقر إلى أن  
يحدث به عن عمر موقوفا , و قوى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبت من شريك " . قلت : و  
هذا هو الذي تقتضيه القواعد العلمية أن الحديث معلول بتفرد شريك به و مخالفته  
لمن هو أثبت منه , فلا وجه عندي لتصحيح الحديث كما فعل أبو حاتم , و قال الحافظ  
قبيل ما نقلنا عنه آنفا ! " و ذكر الميموني عن أحمد أنه رجح صحته " و في " طرح  
الترتيب " للحافظ العراقي ( 2 / 154 ) : " و ذكر الخلال عن الميموني أنهم  
ذاكروا أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - حديث المغيرة بن شعبة , فقال :  
أسانيد جياد , قال و في رواية غير الميموني : و كان آخر الأمرين من رسول الله  
صلى الله عليه وسلم الإبراد " . فهذا النقل عن الإمام أحمد غريب عندي لقوله "  
أسانيد جياد " مع أنه ليس له إلا إسناد واحد كما يفيده قول الحافظ ابن حجر : "  
تفرد به إسحاق الأزرق عن شريك ... " و قال البيهقي عقب الحديث : " قال أبو عيسى  
الترمذي ... فيما بلغني عنه - : سألت محمدا يعني البخاري - عن هذا الحديث ?  
فعده محفوظا , و قال : رواه غير شريك عن بيان عن قيس عن المغيرة قال : كنا نصلي  
الظهر بالهاجرة , فقيل لنا : أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم , رواه  
أبو عيسى عن عمر بن إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن بيان كما قال البخاري " . قلت  
: عمر بن إسماعيل ضعيف جدا , قال بن معين : كذاب خبيث رجل سوء , و قال النسائي  
: " ليس بثقة , متروك الحديث " . و أبوه فيه ضعف , فمثل هذه الطريق لا يقوى  
طريق شريك لشدة ضعفها , فلا أدري ما وجه عد البخاري الحديث محفوظا , فإن كان  
بالنظر إلى الطريق الأولى فقد عرفت ضعفها و تفرد شريك بها , و إن كان من أجل  
هذه الطريق فهي ضعيفة جدا . و خلاصة القول : أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة  
عندي , لتفرد الضعيف به , و عدم وجود شاهد معتبر له . ثم إن الكلام عليه إنما  
هو بالنظر لوروده بهذا السياق الذي يدل على أن صلاته صلى الله عليه وسلم  
بالهاجرة منسوخ بقوله : أبردوا .. و هو ظاهر الدلالة على ذلك , و به أحتج  
الطحاوي و غيره على النسخ فإذا تبين ضعفه سقط الاحتجاج به و أما إذا نظرنا إلى  
الحديث نظرة أخرى و هي أنه تضمن أمرين اثنين : صلاته صلى الله عليه وسلم  
بالهاجرة , و أمره بالإبراد دون أن نربط بينهما بهذا السياق الذي يمنع من فعل  
أي الأمرين و يضطرنا إلى القول بالنسخ . أقول إذا نظرنا إليه هذه النظرة  
فالحديث صحيح أما ا